بيتسيلم- غير محميّين – اعتقال الفِتيان في القدس الشرقية

يجري اقتياد الفتيان في القدس الشرقية من أسرّتهم في دجى الليل، وتكبيلهم بالأصفاد دون أيّ مبرّر، وتركهم لفترات طويلة في انتظار التحقيق معهم. فقط بعد هذا كلّه، حين يكونون متعبين ومنكسرين، يجري التحقيق معهم مطوّلاً – دون السماح لهم بالاتصال قبل ذلك مع محامٍ أو مع الأهل، ودون إبلاغهم أنّه يحقّ لهم الصمت أثناء التحقيق. بعد ذلك، يجري اعتقالهم في ظروف قاسية طيلة أيّام بل وأسابيع، حتّى إذا كان التحقيق معهم قد انتهى. في بعض الحالات يتمّ كلّ ذلك مرفقًا بالتهديد والشتائم والعنف الجسديّ – سواء قبل التحقيق أو خلاله.

منذ اللحظة التي يعتقل فيها هؤلاء الفتيان يتمّ إقصاء أهلهم عن مجريات الأمور. لا تنظر السلطات، في أيٍّ من المراحل، إلى الأهل كطرف في الموضوع، ولا كمن يحقّ لهم حماية أولادهم. المعلومات التي تبلغهم عمّا يجري مع ولدهم وعن حقوقه هي معلومات أوّلية وفي الحدّ الأدنى، وفقط في حالات قليلة جدًا يُسمح لهم بمقابلته، وهكذا يبقى الأهل عاجزين، يفتقدون إلى أيّة إمكانية لمساعدته.

في غياب الحماية من جانب الأهل أو أيّ بالغ آخر يثقون به، في تجاهل تامّ من السلطات لسنّهم الصغيرة، يضطرّ هؤلاء الفتية إلى عبور محنة الاعتقال والتحقيق وحيدين تمامًا، بعيدًا عن أسَرهم ومعزولين عن مجرى حياتهم اليوميّة وكل ما اعتادوه. يلقى بهم في أجواء مشبّعة بالتهديد ويولّد البلبلة، إذ لا أحد من البالغين المحيطين بهم يكلّف نفسه عناء تزويدهم بأيّة تفاصيل عمّا يجري. لا أحد يشرح لهم إلى أين يأخذونهم، ما هي الشبهات الموجّهة إليهم، ما هي حقوقهم، ممّن يُسمح لهم تلقّي الاستشارة، كم من الوقت سيستغرق الأمر ومتى سيعودون إلى عائلاتهم. والأسوأ من ذلك: يتبيّن من وصف الفتيان أنّ البالغين المحيطين بهم – عناصر الشرطة والمخابرات والسجّانون والقضاة – يتعاملون معهم وكأنّهم مجرّدين من أيّ حقّ. كلّ استجابة لطلب يطلبونه (شرب أو أكل، منشفة، دخول المرحاض، التحدّث مع الأهل) ينظر إليها هؤلاء كحسَنة تقدَّم بشكل تعسّفي وفقًا لأهواء المسؤولين.

هذه الممارسات تمكّن سلطات تطبيق القانون من ممارسة الضغط على هؤلاء الفتيَة لكي يعترفوا. وفعلاً، كثيرون منهم يوقّعون على اعترافات رغم إرادتهم (بعضها اعترافات مختلقة، وبعضها بلغة لا يفهمونها). هذه الاعترافات تصبح لاحقًا مستندًا لتجريمهم في لائحة الاتّهام المقدّمة ضدّهم.

ينعكس هذا الواقع في 60 تصريحًا سجّلته منظّمتا “بتسيلم” و”مركز الدفاع عن الفرد” من فم فتيان سكّان القدس الشرقية، كان قد جرى اعتقالهم خلال سنة ونصف (منذ أيّار 2015 وحتى تشرين الأوّل 2016). بعض هؤلاء تمّ الإفراج عنه بعد انتهاء التحقيق، وبعضهم قُدّمت في حقّهم لوائح اتّهام. المعلومات المستقاة من هذه التصريحات، ومن معطيات كثيرة جمعها مركز الدفاع عن الفرد وبتسيلم ومنظمات أخرى، تفيد بأنّ الممارسات التي يصفها الفتيان الذين أدلوا بتصريحات لغاية إعداد هذا التقرير هي الطريقة المتّبعة لدى سلطات الدولة في التعامل مع المشتبهين في رشق الحجارة: أي أنّنا لا نتحدّث هنا عن محقّق أو سجّان مَريد خالف التعليمات، وإنّما عن سياسة واضحة وعلنيّة تتّبعها السلطات، بدءًا بالشرطة التي تنفّذ الاعتقالات، مرورًا بمصلحة السجون التي تحتجز الفتيان في ظروف قاسية، وانتهاءً بالقضاة الذي يمدّدون اعتقالهم بجرّة قلم وبشكل شبه روتينيّ – أيضًا حين لا يكون هنالك أيّ داعٍ للاعتقال أصلاً، وأيضًا بعد أن قد انتهى التحقيق، وفي الحالات التي اشتكى فيها الفتيان في شأن عنفٍ تعرّضوا له.

تبذل السلطات المختلفة جهدها بأن تنفّذ هذه السياسة مع الحفاظ على المتطلّبات الشكليّة التقنيّة التي ينصّ عليها القانون: إنّهم يصدرون أوامر اعتقال (على الأقلّ في بعض الحالات)، يجرون تحقيقات (معظمها) في الساعات المسموح بها قانونيًّا، ويمدّدون الاعتقالات في المحكمة وفقًا للفترات المحدّدة في القانون، وأخيرًا: يجبون من الفتيان على اعترافات موقّعة. إضافة إلى ذلك، تدير السلطات جهاز مراقبة من صلاحياته فحص شكاوى الفتيان ضدّ ممارسات كهذه أو أخرى قام بها أفراد الشرطة، السجّانون أو المحقّقون.

لكنّ هذا كلّه يخلق فقط مظهرًا زائفًا يوحي بأداء قانونيّ، وذلك بهدف إضفاء الشرعية على هذه الممارسات. فعليًّا، يستند أداء السلطات إلى تأويل تقنيّ، لا أكثر، للحماية التي يمنحها القانون للقاصرين، كما يستند إلى التذرّع بالاستثناءات المنصوص عليها فيه. عندما يتعلّق الأمر بالفتيان الفلسطينيين من القدس الشرقية، يفرغ أفراد الشرطة والسجّانون والقضاة قانون الشبيبة من جوهر مضمونه، وهم يجرون في ذلك مجرى العادة – وفي المقابل، يدّعون البراءة بفضل تمسّكهم بشكليّات القانون.

فيما يلي بعض الأمثلة البارزة:

  • الاعتقال: اعتقال الفتيَة لا يصحّ إلاّ في حالات شاذّة استثنائية، وحتى في هذه الحالات يجري اعتقالهم لأقصر مدّة ممكنة. ومع ذلك، يُظهر مضمون التصريحات التي جُمعت لأجل هذا البحث أن اعتقال القاصرين تحديدًا هو الوسيلة المفضّلة لدى الشرطة، وفقط في 13% من الحالات امتنعت الشرطة عن الاعتقال واكتفت باستدعاء الفتيان للتحقيق. في جميع الحالات المتبقّية جرى اعتقالهم من منازلهم أو في الشارع، بعضهم بعد أن صدرت في حقهم أوامر اعتقال، وكلّهم بمصادقة من المحاكم توفّرها لاحقًا وبأثرٍ رجعيّ، حين تمديد اعتقال الفتية (الاعتقال غير المبرّر من أساسه) المرّة تلو المرّة، حتّى عندما يكون التحقيق قد انتهى.
  • التكبيل بالأصفاد: استخدام الأصفاد لتكبيل الفتيان، أيضًا ينبغي أن يحدث في حالات شاذّة فقط، ولأقصر مدّة ممكنة. التصريحات التي جُمعت لأجل هذا البحث تبيّن أنّ تكبيل الفتية حين اعتقالهم هو القاعدة: في 81% من الحالات جرى تكبيل الفتية قبل إدخالهم إلى السيّارة التي أقلّتهم إلى مركز التحقيق. 70% من الفتيان جرى تكبيلهم عند التحقيق معهم وجهًا لوجه، وأحيانًا تكبيل يديهم ورجليهم.
  • التحقيق ليلاً: يمنع القانون التحقيق مع القاصرين في ساعات الليل، سوى الاستثناءات المنصوص عليها في القانون. صحيح أنّ معظم القاصرين جرى التحقيق معهم في ساعات النهار، ولكن رُبعهم قال إنّه جرى التحقيق معهم في ساعات الليل. إضافة إلى ذلك، 91% من الفتيان الذين اقتيدوا إلى المعتقل من منازلهم، حدث ذلك لهم في ساعات الليل، وبعضهم بعد أن قد آوى إلى فراشه. في بعض الأحيان انتظر المحقّقون مجيء الصباح ليبدأوا التحقيق، ولكنّ الفتيان قد وصلوا التحقيق متعبين وخائفين، بعد ليلة قضوها بلا نوم.
  • انتهاك الحقوق: – انتهاك الحقوق: حماية حقوق القاصرين أثناء التحقيق معهم تتمّ بشكل تقنيّ يفرغها من مضمونها، علمًا أنّها حقوق يحفظها القانون لهم بهدف تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم وجَسر الفجوة الهائلة في علاقات القوى بينهم وبين المحققين:
    • حقّ الصمت: فقط في 71% من الحالات أبلغ المحقّقون الفتية بأنّ لهم حق الصمت – ولكن في نحو 70% من المرّات لم يفهم الفتية ما معنى هذا الحقّ، وخافوا أن تكون لصمتهم عواقب سيّئة.
    • حقّ توكيل محامٍ: في 70% من الحالات أتاح المحقّقون للفتى المعتقل التحدث مع محامٍ قبل بدء التحقيق – محادثة مباشرة خاطفة، أو عبْر الهاتف. لكنّ هذه المحادثات كانت بلا قيمة ولم تساعد الفتى إطلاقًا في فهم حقوقه وما الذي سيجري له. بالتأكيد كان الوضع كذلك في الحالات التي كان المحقّق هو الذي أجرى الاتّصال مع المحامي، والفتى تحدّث معه عبْر هاتف المحقّق.
    • حقّ وجود الأهل أثناء التحقيق: وفقًا للقانون يوجد هذا الحقّ للفتية المشتبه فيهم، خاضعًا لاستثناءات. لا حقّ كهذا للفتية المعتقلين، ولكن يحقّ للشرطة إذا ارتأت أن تتيح وجود الأهل. في 95% من الحالات جلس الفتية وحيدين في غرفة التحقيق، دون وجود أهلهم معهم أو أيّ من أقاربهم.
  • التحقيق وجهًا لوجه: غياب الحماية لحقوق هؤلاء الفتية، وحقيقة وجودهم وحيدين في غرفة التحقيق، تتيحان للمحقّقين المسّ بهم جسديًّا ونفسيًّا – من خلال استغلال ثغرات في القانون الإسرائيلي تسمح لهم باستخدام العنف أثناء التحقيق، كما استغلال حقيقة أنّ أجهزة التحقيق في شكاوى التنكيل والتعذيب لا تؤدّي وظيفتها بفعالية ولا تعمل كآليّات ردع، حيث تغلق معظم الشكاوى دون فتح تحقيق. وحيث يعلم أفراد الشرطة والسجّانون والقضاة أنّ المسؤولين عنهم لا ينظرون إلى أفعالهم على أنّها ممنوعة، بل هم يؤيّدونها؛ وأنّه بالتالي لن تُتّخذ بحقّهم إجراءات أيًّا كانت، تتيح لهم مواصلة المسّ بالفتية دون حسيب أو رقيب. هذا الواقع استغلّه المحقّقون. نحو 70% من الفتية جرى التحقيق معهم مرّة أو مرّتين فقط: 25% من الفتية الذين أدلوا بتصريحات لأجل هذا التقرير، قالوا إنّ المحقّقين استخدموا العنف ضدّهم بدرجة ما؛ 55% حدّثوا عن صراخ وتهديد وشتائم وجّهها إليهم المحقّقون؛ 23% قالوا إنّه لم يُسمح لهم بالدخول إلى المرحاض لقضاء حاجتهم؛ 26% قالوا إنّهم طلبوا أن يأكلوا و/أو يشربوا ورُفض طلبهم؛ و43% منهم تلقّوا الوجبة الأولى بعد مرور أكثر من عشر ساعات على اعتقالهم. أسلوب التحقيق هو الذي أدّى، من بين ما أدّى، إلى أنّه في 83% من الحالات وقّع الفتية على اعترافات – كُتب نحو 80% منها باللغة العبريّة، ومن هنا لم يفهموا على ماذا هم يوقّعون.
  • ظروف الاعتقال: ينصّ القانون على أنّه يجب اعتقال القاصرين ضمن ظروف تناسب سنّهم – بما في ذلك توفير المأكل والمشرب الصحّي، توفير الدراسة وزيارات عمّال اجتماعيين وأفراد الأسرة، وكذلك السماح لهم بالاتصال مع عائلاتهم. أيضًا هنا – هنالك استثناءات تتيح تجاهل الحقوق المنصوص عليها وعدم توفير هذه الظروف. ولكن ظروف الاعتقال في “المسكوبيّة” – حيث اعتُقل معظم الفتية الذين أدلوا بتصريحات لأجل هذا التقرير، تفصل بينها وبين تعليمات القانون سنوات ضوئيّة، بحيث لا تتيح للفتية المعتقلين الحفاظ على كرامتهم: توفير احتياجات النظافة الشخصية كان منقوصًا وغير منتظم، ولم يتلقّ أيّ من الفتية ثيابًا نظيفة بديلة. إضافة، في أثناء اعتقالهم في “المسكوبيّة” لم تُعط للفتية أيّة إمكانيّة لانشغال ذي معنىً، فبقي معظمهم محبوسين في الزنازين طيلة ساعات النهار. من المعلومات التي أوردها الفتية يتبيّن أنّه لم تتَح لهم فرصة الاتصال مع عائلاتهم سوى في حالات نادرة.

هذه الممارسات تكشف السياسة الإسرائيلية، وغايتها تمكين السلطات مواصلة هذه المعاملة مع الفتية الفلسطينيين، ضمن توفير غطاء شكليّ لما هو في الواقع انتهاك منهجيّ واسع النطاق وموثّق لحقوق الإنسان الأساسية يطال مئات الفتية في كلّ سنة، على امتداد عشرات السنين.

كان من الممكن أن نتوقّع من جهاز تطبيق القانون التعاطي مع الأولاد بأسلوب يناسب سنّهم، وأخذ مستوى تطوّرهم النفسي والجسدي بعين الاعتبار، إدراكًا منه أنّ أيّ فعل يقومون به قد تكون له إسقاطات بعيدة المدى على الفتية وعائلاتهم. كان من الممكن أن نتوقّع من هذا الجهاز أن يتعامل بشكل منصف وإنسانيّ مع الفتية، وأن يوفّر لهم الحمايات الأساسية. ولكن، عوضًا عن ذلك – يتعامل جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي مع هؤلاء الفتية على أنّهم جزء من قطاع سكّانيّ معادٍ، جميع أفراده – فتية وبالغين على حدّ سواء – متّهمون إلى حين إثبات العكس؛ ويتّخذ في حقّهم إجراءات متطرّفة، ما كان ليتجرّأ على اتّخاذها ضدّ قطاعات سكّانية أخرى في إسرائيل. جهاز تطبيق القانون في إسرائيل موجود، بحُكم تعريفه، في معسكر واحد: أفراد الشرطة، السجّانون، مدّعو النيابة والقضاة هم دائمًا مواطنون إسرائيليون يعتقلون ويحقّقون ويحاكمون ويسجنون فتية فلسطينيين، يُنظر إليهم كأعداء يلحقون الضرر بمصالح المجتمع الإسرائيلي.

لا يمكن النظر إلى هذا الواقع منفصلاً عن مجمل سياسة إسرائيل في القدس الشرقية. لقد ضمّت إسرائيل في 1967، في خطوة مخالفة للقانون، نحو 70 ألف دونم – هي مساحة القدس الأردنية (نحو 6 آلاف دونم) مضافًا إليها المساحة الكاملة لـ28 بلدة وقرية. ولكنّ إسرائيل لطالما تعاملت مع سكّان هذه المناطق على أنّه لا يُرغب في وجودهم، وعليه لم يحدث أبدًا أن نظرت إليهم سلطات الدولة ومندوبيها على أنّهم متساوي الحقوق.

جميع السلطات الإسرائيلية في القدس الشرقية بوصلتها دفع السكّان الفلسطينيين إلى مغادرة المدينة: لذلك فُرضت قيود مشدّدة على بناء منازل جديدة، وحُكم على السكّان العيش في ظروف كثافة خانقة أو في خوف من هدم منازلهم التي بنوها دون ترخيص حين لم يتوفّر لديهم خيار آخر؛ ولذلك رُسمت سياسة لمّ شمل صارمة، تمنع سكّان القدس الشرقية من السكن هناك مع أزواجهم إذا كان هؤلاء من سكّان الأراضي المحتلّة؛ لذلك أيضًا يُنتهج تمييز دائم ومؤسس في توزيع ميزانيات البلدية والدولة، ممّا يفرض على سكّان القدس الشرقية العيش في معاناة جرّاء المستوى المتدنّي لمرافق البنى التحتية والنقص الدائم في المؤسّسات العامّة.

لا يوجد ولا يمكن إيجاد تبرير لهذه الممارسات المتطرّفة التي يقوم بها جهاز تطبيق القانون تجاه الفتية في القدس الشرقية. الواقع الذي يصفه التقرير هو جزء من بنية أو هيكليّة السيطرة الإسرائيلية على السكّان الفلسطينيين في القدس الشرقية. طالما استمرّت هذه السيطرة، من المتوقّع أن تواصل السلطات الإسرائيلية التعامل مع السكّان الفلسطينيين كجماعة غير مرغوب فيها وكأشخاص يساوون أقلّ، بكلّ المعاني التي ينطوي عليها ذلك. التغيير الحقيقيّ لهذا الوضع يتطلّب تغيير الواقع في القدس من أساسه.

شاهد أيضاً

إصابة طفلين- مستوطنون يهاجمون منازلا في الخليل

الخليل – هاجمت مجموعة من المستوطنين المتطرفين، منازل المواطنين، مساء الجمعة 17-11-2017، قرب بؤرة “كريات …