النكبة 74
النكبة 74

وتستمر نكبة الفلسطينيين !

د. رمزي عودة
معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

قامت العصابات الصهيونية بقيادة الهجاناة في حرب 1948 بتنظيم أكبر عملية إبادة عرقية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث هجَّرت نحو 800 ألف لاجئ من بيوتهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني، ونجحت هذه العصابات بتهجير الشعب الفلسطيني بفعل الإرهاب والتخويف والطرد المباشر. وهذا ما ذهبت إليه دراسة “بني موريس” أشهر المؤرخين العسكريين الصهاينة. ليس هذا فحسب، فَوِفقاً لخُطة “دالت”، التي كشفت عنها دراسة “ألين بابيه” فيما أسماه “التطهير العرقي للفلسطينيين”، فقد هدفت العصابات الصهيونية بتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها إلى تسهيل عملية إستيطان الأرض من قِبَل المستوطنين الصهاينة المهاجرين من الدول الغربية. وتأكيداً لهذه الخطة، وفي مذكرات الهجاناة، رفض الضابط المسؤول عن حصار مدينة اللّد بعد إنسحاب الجيوش العربية منها أن يجتاح المدينة بسبب العدد الكبير من المواطنين العرب فيها، ولم يدخل المدينة إلا بعد أخْذ الإذن من “بن غوريون” نفسه بأن يطبِّق خطة “دالت” على اللّد. وهو الأمر الذي حدث فجراً حينما إستدعت العصابات الصهيونية قسرا شباب ونساء المدينة وأعدمت أكثر من 90 فلسطينياً في الساحة المقابلة لمسجد المدينة، مما أدّى إلى لجوء سكان المدينة. وفي السياق، لم تكن مجزرة دير ياسين التي راح ضحيتها أكثر من 280 فلسطيني مدني من الرجال والنساء والشيوخ والاطفال، إلا جزءا من خطة “دالت”، حيث هدفت المجزرة إلى ترويع القرى الفلسطينية المحيطة بالقدس من أجل طرد سكانها من قراهم وبيوتهم. وبإعتراف زعيم منظمة “ليخي” الإرهابية الذي قاد الهجوم على دير ياسين، فإن المجزرة ما كان لها أن تحقق أهدافها لولا تمّ قتل المدنيين والتمثيل بالجثث وحرقها وبث الشائعات عن المجزرة.
وبعد 74 عام من النكبة وقيام دولة الإحتلال وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينين وطرد مئات الآلاف منهم من بيوتهم، فإن قوات الإحتلال الإسرائيلي تستمر في “نهج النكبة” ضد الشعب الفلسطيني. وكأنما أضحت سياسات التطهير العرقي والقتل وإبتلاع الأرض جزءا من الهوية الاستعمارية الصهيونية. فدولة الإحتلال ما زالت تقتل الفلسطينيين المدنيين، وتعتقل الأطفال وتعذبهم في سجونها كما حدث تماماً مع الطفل الأسير أحمد مناصرة، وتقتل النساء كما فعل قطعان المستوطنين عند قتلهم عائشة الرابي على حاجز زعترة. وقد بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الإحتلال حتى نهاية شهر كانون الثاني 2021 نحو (4500) أسير، منهم (37) أسيرة؛ فيما بلغ عدد المعتقلين الأطفال والقاصرين في سجون الإحتلال نحو (140) طفلاً، وعدد المعتقلين الإداريين إلى نحو (450) معتقلاً؛ ولم تكن حالة الأسير غسان زواهرة الذي استشهد أخاه وتمّ تمديد اعتقاله الإداري لأكثر من 7 سنوات متقطعة إلا حالة شاهدة على طغيان الإحتلال وإنتهاكاته المستمرة لإتفاقيات جنيف الأربعة. ووِفقاً لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، فإن أكثر من 100 ألف فلسطيني إستشهد منذ النكبة وحتى الآن، كما تم أسر نحو مليون فلسطيني منذ عام 1967. وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى تعرّض ما يربُو على 110 آلاف فلسطيني للتهجير الداخلي في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة خلال العقد المنصرم. وتُقدِّر الإحصاءات في الضفة الغربية، أن 900 فلسطيني قد ُهجِّر خلال العام 2019 في أعقاب هدم منازلهم أو مصادرتها، وقد أقدمت سلطات الإحتلال على إجبار ما يزيد عن 400 مواطن على هدم منازلهم بأيديهم. من جانب آخر، تتعرض القدس إلى سلسلة متواصلة من عمليات التهويد والتمييز العنصري، وتُقدِّر منظمة مراقبة حقوق الإنسان أن هناك نحو 90 ألف فلسطيني في القدس الشرقية يعيشون حاليا في مباني مهددة بالهدم.
بالنتيجة، فإن النكبة مستمرة، وما زال أبناء الشعب الفلسطيني يعيشها كل يوم. صورة النكبة تطغى على الحواجز العسكرية، صورة النكبة تتجسد في َتوسُّع الاستيطان وإبتلاع الأرض الفلسطينية، صورة النكبة تشرق من جبين الصحفية شيرين أبو عاقلة التي اغتالتها قوات الإحتلال في مخيم جنين. صورة النكبة تتجلى في حرق عائلة دوابشة. صورة النكبة تتمثل في نظام الأبرتهايد المفروض على الشعب الفلسطيني. صورة النكبة ستبقى شاخصة في مخيّلة الفلسطينيين في مخيمات اللجوء، في مخيم جنين وفي الدهيشة وبلاطة والنصيرات واليرموك وعين الحلوة وصبرا وشاتيلا . وفي فجر كل يوم، يصحوا الفلسطينييون على صورة جديدة من صوَر النكبة. هذه هي فلسطين، فلسطين النّكبة أو النكبة هي فلسطين. الفرق هنا ليس مهماً، ولكن الأهم هو أنه بعد 74 عام وما زالت فلسطين تقاوم وتصمد وتنتظر الحرية.

شاهد أيضاً

انتهاكات بحق الأطفال

الاحتلال الإسرائيلي صعد من انتهاكاته بحق الأطفال الفلسطينيين خلال العام 2022

الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال الاحتلال الإسرائيلي صعد من انتهاكاته بحق الأطفال الفلسطينيين خلال العام …